نورالدين علي بن أحمد السمهودي
225
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
لبس لأمته يشبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلما قتله ظن أنه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فرجع إلى قريش وقال : قد قتلت محمدا ، فازدادوا جرأة وصاح إبليس من العقبة : قتل محمد ، فلما سمع المسلمون ذلك وهم متفرقون كانت الهزيمة ، فلم يلو أحد على أحد « 1 » . والصواب أن السبب مخالفة الرماة للأمر ، وهذا مؤكد له ومتمم ، مع أن الأصل في ذلك - مع إرادة الله تعالى - ما اتفق ببدر من أخذ الفداء ، فقد أخرج الترمذي والنسائي عن علي أن جبريل هبط فقال : خيّرهم في أسارى بدر القتل أو الفداء على أن يقتل منهم من قابل مثلهم ، قالوا : الفداء ويقتل منا ، وقال الترمذي : حسن ، وذكر غيره له شواهد تقويه ، ولهذا جاء في الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة ، وقتلوا سبعين ، وأسروا سبعين . وفيه أيضا أن المشركين أصابوا يوم أحد من المسلمين سبعين ، ولفظه من حديث البراء قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جيشا من الرماة ، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير ، وقال : لا تبرحوا ، فإن رأيتمونا ظهرنا عليهم « 2 » فلا تبرحوا « 3 » ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ، فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة ، فقال عبد الله : عهد إلي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألّا تبرحوا ، فأبوا ، فلما أبوا صرف الله وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلا . ووقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر في قصة بدر قال : فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون وفروا ، وكسرت رباعية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهشمت البيضة على رأسه ، وسال الدم على وجهه ، فأنزل الله تعالى : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [ آل عمران : 165 ] الآية ، والمراد بكسر الرباعية - وهي السن التي تلي الثنية والناب - أنها كسرت فذهب منها فلقة ، ولم تقلع من أصلها ، وقوله « وفروا » أي : بعضهم ، أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم ، والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق : فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة ، فما رجعوا حتى انقضى القتال ، وهم قليل ، وهم الذين نزل فيهم : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [ آل عمران : 155 ] وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قتل ، فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه ، أو يستمر على نصرته في القتال إلى أن يقتل ، وهم أكثرهم ، وفرقة بقيت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم تراجع إليهم القسم الثاني شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي ، وما ورد من الاختلاف في العدد محمول على تعدد المواطن في القصة .
--> ( 1 ) لا يلو أحد على أحد : لا يقيم عليه ولا ينتظره . ( 2 ) ظهر على عدوه : غلبه . ( 3 ) برح مكانه : زال عنه وغادره .